رجال الرئيس ورجال أسلافه
وفيما يعد إشارة واضحة لسبب رئيس من أسباب (موت السياسة) في مصر يلحظ المؤلف فرقا هاما ونوعيا في الرجال المحيطين بالرئيس مبارك عن أقرانهم ممن عمل مع الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، فيرى أن رجال الأخيرين تميزوا بأنهم كانوا دائما من السياسيين، وكانت السياسة تجري في عروقهم وتشغل تفكيرهم وتتحكم في تصرفاتهم، وكان كثيرون ممن تولوا الوزارة في كلا العهدين يشاركون الرئيس حماسه للمشروع الذي يقوم بتطبيقه، أو كان لهم على الأقل القدرة على تصور وظيفة الوزير على أنها وظيفة سياسية.
ثم تغير هذا الأمر بالتدريج في عهد مبارك حتى اعتدنا أن يأتي رئيس للوزراء لم تعرف عنه قط اهتمامات سياسية قبل اعتلاء منصبه، ومن ثم لم يكن هناك مجال للتنبؤ بما يمكن أن تكون عليه سياساتهم بعد تولي المنصب، ثم تبين بالتدريج أنه لا حاجة لأحد بهذا التنبؤ، إذ لم تكن هناك أي سياسة على الإطلاق.
لكن المؤلف لا يكتفي برصد هذه الظاهرة، بل يحاول أن يقدم لها تفسيرا لا يبعد به كثيرا عن طبيعة الحكم الحالي في مصر، فالرئيس مبارك كان قد صرح في بداية عهده بأنه ليس من أنصار سياسة "الصدمات الكهربائية" وكان يشير -بلا شك- إلى سياسة سلفيه السادات وعبد الناصر.
فهو لا يغلق الاقتصاد ولا يفتحه، ولا يحارب إسرائيل ولا يوقع اتفاقيات جديدة معها، وبالفعل كانت هذه سمة عهد الرئيس مبارك كله، وكان هذا العهد محتاجا إلى نوع ثالث من الرجال لتنفيذ المطلوب، يشتركون مع من عمل في العهدين السابقين في ولائهم التام للنظام، ولكن لهم خصيصة أخرى، تتمثل في عدم الاهتمام بالسياسة أو الشأن العام، كما أن لهم من الصفات الشخصية ما يجعل جلوسهم في هذه المناصب لا يسبب أي متاعب لراسمي السياسة الحقيقيين في الداخل والخارج.
فقر مدقع وثراء فاحش
ويخصص المؤلف فصلا كاملا من كتابه لرصد ما يعانيه الفقراء في مصر، وهم يشكلون النسبة الكبرى من عدد السكان، فطيلة السنوات العشرين الأخيرة كانت قدرة الفقراء على إشباع حاجاتهم الأساسية (من مأكل وملبس وتعليم وصحة ومواصلات) آخذة في التدهور، وفي الوقت نفسه كانت الثروات التي تكونت في السنوات الأولى من عمر الانفتاح قد بدأت تلفت الأنظار، وشاعت بين الجماهير قصص كثيرة عما حققه تجار العملة، أو المقاولون، أو مؤجرو الشقق المفروشة من ثراء.
ورأى الناس ازدياد عدد حفلات الأفراح التي تقام في الفنادق الكبيرة ببذخ شديد لمجرد إثبات النجاح الباهر الذي حققه هؤلاء التجار والمقاولون في تكوين الثروات الطائلة.
"
أهم مظاهر الفحش في سنوات حكم الرئيس مبارك يتمثل في مصدر الثراء نفسه, فلم تعد أعمال الوساطة تمثل المصدر الرئيس للثراء كما كان الحال بداية الانفتاح، بل أصبح الاستيلاء على أموال الدولة هو أهم مصادر الثراء في مصر
"
ويرى المؤلف أن الثراء المفاجئ الذي حققه البعض في السنوات الأولى من الانفتاح لم يثر لدى الفقراء من الإحباط ما أثاره الإثراء الذي حدث في السنوات العشرين الأخيرة.
فالثراء السابق كان مقترنا بقدرة كثير من المصريين على الهجرة، ومن لم يهاجر كان يعيش عصر زيادة عامة في الدخول يقترن بإنفاق سخي من جانب الدولة، وارتفاع كبير في أجور الحرفيين بسبب الهجرة نفسها.
ويضيف: كان ثراء السنوات الأولى من الانفتاح يثير من الضحك والسخرية أكثر مما يثير من الإحباط واليأس. لم يعد الأمر كذلك في العشرين سنة الماضية، فالأغنياء يزدادون ثراء، والثراء يزداد فحشا، بينما أغلقت كل الأبواب أمام الفقراء من المتعلمين وغير المتعلمين على السواء.
كان أهم مظهر من مظاهر الفحش التي يرصدها المؤلف للثراء في سنوات حكم الرئيس مبارك يتمثل في مصدر هذا الثراء، فلم تعد أعمال الوساطة (كالتجارة والمقاولة والسمسرة) تمثل المصدر الرئيس للإثراء كما كان الحال بداية الانفتاح، بل أصبح الاستيلاء على أموال الدولة هو أهم مصادر الإثراء في مصر.
ففي ظل معدلات نمو منخفضة للغاية، وتدهور مستويات الإنفاق من الحكومة ومن الشعب على السواء، لا يكاد يبقى من فرص الإثراء إلا نهب الأصول الموجود بالفعل، وأسهل هذه الأصول نهبا في ظل دولة رخوة هي ممتلكات الدولة بالطبع، سواء تمثلت في أراض مملوكة للدولة وتعرضت للبيع، أو أموال مودعة في بنوك الدولة معروضة للإقراض، أو ممتلكات شركات عامة تعرض للخصخصة.
لم يتوقف الإثراء بلا سبب طيلة السنوات العشرين الماضية، ورأى فقراء المصريين ذلك بأعينهم، وعرفوا أسبابه ومصادره، فزاد شعورهم بالغيظ والإحباط.
الفساد من السياسة إلى الثقافة
من النتائج الدالة التي يصل إليها المؤلف في رصده لسنوات حكم الرئيس مبارك أن عهده اتسم ببعض السمات التي سمحت لصور جديدة من الفساد بأن تترعرع بين المثقفين.
فقد بدا مع مرور سنة بعد أخرى أن سياسة العهد الجديد لن تختلف في أي شيء مهم عن السياسة التي دشنها السادات، ويرى المؤلف أن مناخا كهذا كان لا بد أن يسود فيه اليأس من حدوث التغيير المأمول، وفي ظل هذه الدرجة من اليأس يبرز نوع جديد من المثقفين القناصين للفرص، يائسون هم أيضا كغيرهم فيما يتعلق بالمستقبل المصري، ولكنهم أبعد ما يكونون عن اليأس من تحسين أحوالهم الشخصية.
"
في ظل مناخ الفساد يسود اليأس من حدوث التغيير المأمول، وفي ظل هذه الدرجة من اليأس يبرز نوع جديد من المثقفين القناصين للفرص، يائسون هم أيضا كغيرهم فيما يتعلق بالمستقبل المصري، ولكنهم أبعد ما يكونون عن اليأس من تحسين أحوالهم الشخصية
"
فحين يختفي مشروع للنهضة يوحد الجميع ويمنح فرصة للموهوبين من المثقفين للتألق، لا تبقى إلا المشروعات الخاصة التي تجلب للمثقف وأسرته الثراء وبحبوحة العيش.
في هذا المناخ يميل بعض أصحاب المواهب الحقيقية من الراغبين في الإصلاح وتحقيق النهضة إلى الانزواء، إن لم يكن بالموت أو الشيخوخة، فبالقنوط والإحباط، ولكن يميل بعض المثقفين الموهوبين أيضا إلى تغيير موقعهم فتنطفئ موهبتهم بسبب هذا التغيير، إذ ينشغلون بكتابة أشياء تافهة لا تعبر عما يشعرون به.
وينتهز هذه الفرصة عدد كبير من عديمي الموهبة، فيقفزون لاحتلال مراكز المحررين والكتاب ورئاسة تحرير الصحف المملوكة للحكومة، فيكتبون كلاما لا معنى له، مما لا يكاد يقرؤه أو يعبأ به أحد، بل إنهم هم أنفسهم لا يعبؤون برأي الناس فيهم، إذ إنهم في الحقيقة لا يوجهون كلامهم إلا للممسكين بالسلطة، ولا يريدون به إلا تأكيد ولائهم لها.
وربما يوجه بعض القراء سهام النقد للكتاب، بحجة أن المؤلف لم ير إلا الصحائف السود في كتاب الحكم الحالي، لكن من يحيا في مصر، بين أفرادها ومؤسساتها، بين أغنيائها وفقرائها، يدرك حتما أن المؤلف لم يبتعد عما اعتاده منه قراؤه من رصانة وموضوعية.
_________________
ما تقولش هعمل ايه لوحدي !!!!!! قول هتعمل ايه معانا